ابن قيم الجوزية

599

شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل

تلك الدار ، لما عرفوا قدر نعمته عليهم بها ، فأسكنهم دار الامتحان ، وعرّضهم فيها لأمره ونهيه ، لينالوا بالطاعة أفضل ثوابه وكرامته . وكان من الممكن أن يحصل لهم النعيم المقيم هناك ، لكن الحاصل عقيب الابتلاء والامتحان ومعاناة الموت وما بعده ، وأهوال القيامة ، والعبور على الصراط ، نوع آخر من النعيم ، لا يدرك قدره ، وهو أكمل من نعيم من خلق في الجنة من الولدان والحور العين بما لا يشبه بينهما بوجه من الوجوه . ومن الحكم في ذلك أنه سبحانه أراد أن يتّخذ من ذرية آدم رسلا وأنبياء وشهداء ، يحبهم ويحبونه ، وينزل عليهم كتبه ، ويعهد إليهم عهده ، ويستعبدهم له في السراء والضراء ، ويؤثرون محابّه ومراضيه على شهواتهم وما يحبونه ويهوونه ، فاقتضت حكمته أن أنزلهم إلى دار ، ابتلاهم فيها بما ابتلاهم ، ليكملوا « 1 » بذلك الابتلاء مراتب عبوديته ، ويعبدونه بما تكرهه نفوسهم ، وذلك محض العبودية ، وإلا فمن يعبد اللّه إلا بما يحبّه ويهواه ، فهو في الحقيقة إنما يعبد نفسه ، وهو سبحانه يحبّ من أوليائه أن يوالوا فيه ، ويعادوا فيه ، ويبذلوا نفوسهم في مرضاته ومحابه ، وهذا كله لا يحصل في دار النعيم المطلق . ومن الحكمة في إخراجه من الجنة ما تقدم التنبيه عليه من اقتضاء أسماء اللّه الحسنى لمسمياتها ومتعلقاتها ، كالغفور الرحيم التواب العفوّ المنتقم الخافض الرافع المعز المذل المحيي المميت الوارث ، ولا بدّ من ظهور أثر هذه الأسماء ووجود ما يتعلق به ، فاقتضت حكمته أن أنزل « 2 » الأبوين من الجنة ، ليظهر مقتضى أسمائه وصفاته فيهما وفي ذريتهما ، فلو تربّت الذرية

--> ( 1 ) تحرفت في المطبوع إلى : « ليكلموا » . ( 2 ) في المطبوع « إنزال » والصواب ما أثبتناه .